عينان و قوائم اربع

Posted by Basy On 7/29/2012



إنهم بكلِ مكانٍ .. لا أعرفُ كيفَ يستطيعون رؤيتي؟!


أسمعهم بالطوابقِ العُليا والطوابقِ السُفلي, صوتهم يصلُ إليّ من المباني المجاورة والشارعِ أيضًا, أقسمُ أنني رأيتُ أحدهم يحدقُ بي من خلفِ العينِ السحريَّة ببابِ المنزل منذُ يومين فقط، هذا يعني أنهم يعرفون بأني هُنا؛ لكنهم بكلِ مكانٍ, وأنا لا أستطيعُ الفرار .


أُدركُ أنك تظن بعقلي الظنون في هذه اللحظة، هذه الكلمات، وهذه النغمة لا تصدر إلا عن مجنون, لكني لست مجنونًا, أقسمُ لك أنا لست مجنونًا, هم هنا فعلًا.. لا أدري إلى أين أذهب, لا أستطيع.. أخشى مواجهتهم إذا ما خرجت.

كيفَ لي أن أواجه هذا الكم منهم؟!

لا.. سأبقى.. أشعرُ بالذعرِ؛ لكن يجب أن أبقى .


اتخذتُ احتياطاتي على أي حال. بابُ الشقةِ مُغلقٌ بإحكامٍ, لَم يُفتَح منذُ زمنٍ لذا تراكم حول عوارضه الخشبيَّة شيءٌ ما من هذه الأشياء الغريبة التي تتراكم بمرورِ الوق.. لا أعرفُ اسمها لكن أعلم أنها تساعد على التصاق الباب بالجدار فيصعب فتحه.

لن يكون فتحه مستحيل رغم ذلك لكنه سيمنحني بعض الوقت للتصرف .

سيأتون قريبًا.. أشعرُ بهذا.. الوقتُ يمضي أسرع مما توقعت!


يمكنني أن أجلب سكينًا من المطبخ وأبقيه أسفل وسادتي في حال باغتني أحدهم.

المشكلة هي أنني لا أثق بالسكاكين في هذه اللحظات. أنا متوترٌ, متوترٌ إلى حد غرس السكين بعنقي الخاص إذا استدعى الأمر لذا من الأفضل أن أُبقيها بعيدةً من بابِ الاحتياط.. لا...
السكاكين لن تصلُح, عليّ التفكير بشيءٍ آخرٍ وبسرعة .

هل سمعت هذا الصوت؟


انتظر لحظة.. أُقسمُ أني سمعتُ صوتَ أقدامٍ بالحجرةِ المجاورة منذ ثوانٍ, لا تتركني وتذهب.. انتظر هنا فقط ريثما أتحقق, أو ربما.. أتعلم ماذا.. لن أذهب.. لن أذهب للتحقق؛ ماذا لو كان أحدهم نجحَ بالدخولِ؟, سأنتظرُ هُنا, لن يجدني أحدٌ هُنا .


تبًا للظلامِ؛ أنا أكرهُ الظلامَ .. هل أخبرتُك بهذا من قبلِ؟

أنا أكرهُ الظلامَ؛ لكنه ضروريّ لمن هم مثلي. رؤيتي عسيرة في الظلام. هؤلاء المتلصصين خارج النافذة من المباني المجاورة يضطرون إلى انتظار النهار إذا ما أرادوا الحصولَ على مشهدٍ لشقتي من الداخلِ .

لا أستطيعُ منعهم لأن النوافذ الكبيرة التي تحتل الجدران توضح الكثير من تفاصيل الشقة لمن ينظر من الخارج؛ لكن عندما أطفئ الأنوار تُحجب الرؤية قليلًا.

لا يمنحني الخصوصية الكافية لكن على الأقل هذا يثير حنقهم, رغم هذا أنا أكرهُ الظلام .

الصوتُ مرةً أخرى!


لا يشبه خطوات إذا ما دققت السمع، هو أقرب لنقراتٍ فوق الأرضِ, أنتظر؟, أجل أنا أسمعه بوضوحٍ الآن , لابد أنه يعبر الـ...

تبًا إنه يعبر في اتجاهي مباشرةً .
لدي عصا خشبيَّة في مكانٍ ما هُنا, لن تكون كافية لكنها ستفي بالغرض مؤقتًا.
لا أحتاجُ إلا إلى تشتيت انتباههم فقط ثم سأركض, سأهرب وليكن ما يكون. .

الصوتُ يرتفعُ.. أرى ظلًا يرتسمُ عبرَ الضوءِ الخافتِ القادمِ من خارج خصاص النافذة لكنه لا يكفي لاستيضاح معالم القادم هذا, هل هُناك أملٌ ألا يراني إذا انكمشت أكثر؟


رباه لا تجعله يراني.. لا تجعله يراني ..


لكنه يعبر.. و.. لقد رآني!


*************


تبًا إنه ليس أحدهم.. هذا مجرد ..


قط!


تنفستُ الصعداء, وآلمني صدري حين تنفست, يبدو أنني كنت أكتمُ أنفاسي طوال هذا الوقت .


القطُ البائس رمادي اللون اتجه إلى أحد جنبات الحجرة الخاوية, أظنه يبحث عن حشرةٍ أو فأرٍ ما يسد رمقه؛

لن يصعب عليه إيجاد إياهما هنا فهذه الأشياء تمرح بالمكان منذ فترةٍ, ضحكتُ بمرارةٍ, يمكنني طرده أو لأدعه ينعم بحياته, لكن.. لكن...

الآن أفكرُ ماذا لو استخدمته كدرع؟

تصرف دنيء هو لكن إن احتفظت به معي هنا فسأتمكن من إطلاقه جهتهم, قطٌ مذعورٌ بشقةٍ مظلمة سيسبب الجذع أيًّا يكن القادم, سيمنحني هذا الوقت الكافي للتصرفِ.
لن أطرده إذن؛ فلندعه هنا. الوقتُ بدأ يمرُ ببطءٍ.. لم يأتِ أحدٌ بعد!

الجو حارٌ فعلًا, ربما بإمكاني أن أخرج قليلًا لأفتح النافذة حتى, ستكون مخاطرة إن أتوا بغتةً لكن هذا أفضل من البقاء هنا والاختناق .


سعلت حين اغتنم التراب الفرصة لاختراق أنفي وأنا أزحف خارجًا, أجفل القط لكنه لم يهرب, استدار ناظر إليّ بحذرٍ ثم عاد يخمش بقايا ورق الحائط باحث عن أي كان ما يبحث عنه.

غريبٌ هو هذا القط!.. لو أنه يعلم, فقط لو يعلم...

نهضتُ أنفضُ ملابسي بأقصى قدرٍ من الهدوء وتلفتتُ حولي منتظرًا سماع صرير الباب كي أُعاود الانكماش أسفل إطار السرير المترب, لكن الصوت لم يأتِ لذا تحركت تجاه وجهتي ومن جديد التفت القط إليّ, عيناه الخضرواتان تلمعان بالظلام وقد بادر بإطلاقِ مواءٍ حزينٍ, بدا بائسًا فعلًا لكن مواؤه دفعني للالتفات إليه. ..


هذا القطُ ليس خائفًا على الإطلاق كما يجدر به أن يكون .


بدايةً لم أفهم لماذا!.. لكن سرعان ما تعلقت عيني بالجرح القطعيّ برقبته ...


**********


ارتفعت خبطةٌ مدويةٌ ثم صرير الباب .


انتفضت من مكاني, لا وقت, لا وقت لقد أتى بالفعل, فلتذهب النافذة والقط إلى الجحيم, عليّ الاختباء الآن .



عضلاتي تؤلمني, الاضطراب بدأ يغزو معدتي وأنفاسي تتسارع لكن عليّ أن أبقى هادئًا. عليّ ألا أُصدر أي صوتٍ.


سأحشرُ نفسي بأقصى ما يمكنني جوار الجدار. ظهري وقدماي تؤلماني فعلًا لكن لا وقت لهذا. إذا ما رآني فسيحدث ما لا تحمد عقباه, عليّ الهدوء .


هناك ضحكات بالخارج, من الواضح أنهما اثنان, لكن صوت أحدهما يبتعد بينما الصوت الآخر ثابت, الرعب يشحذ حواسي بالكامل, أرى أقدام القط جوار الجدار, ماذا يفعل هذا الأبله؟!


الغرباء بالخارج يتفوهون بشيءٍ ما, أظن أن أحدهم يخبر الآخر عن مميزات الشقة, صوت الاستحسان القادم من الرجل جعل دمي يغلي, بأي حق تتعدون على ملكيتي! بأي حق!


الصوت الأبعد أطلق سلامًا وأخبر الآخر أنه سينتظره بالأسفل. نال مني الذعر؛ هذا يعني أن أحدهم لن يذهب!


سمعت صوت الباب يغلق في ذات اللحظه التي تحركت بها قوائم القط مبتعدة, تركني الأحمق الجبان وذهب, تركني وحدي لأواجه القادم من الخارج, لأواجه أحدهم!

أغلقتُ عيني وأصغيتُ السمع, صوت الأقدام يتحرك بالصالة؛ لابد أنه يتفقدُ المكانَ.
الجدران السوداء الآن, لو كان لدي ما يكفي من سعة الصدر لقلت أنه يأسف على ما جري للشقة؛ لكنه مجرد رجل حي أحمق أتى ليتطفل على مكان يخص غيره، لذلك أظن أن تفكيره ينحصر بكيفية تجديدها لا التفكير بما دار بها رُغم هذا لا أستطيع الشعور بالغضب, للأسف لا أستطيع سوى الشعور بالذعرِ.. أتمنى ألا يراني.. يجب ألا يراني .

انتابني الألم من تيبسي بوضعي هذا فحركت ساقي قليلًا, ندى عن هذا صرير خفيف للأخشاب القديمة أسفل مني فتسمرت مكاني خوفًا من أن يكون قد سمعني, لكن الأسوأ أتى على هيئة سعال انطلق مني حين حاولت كتم أنفاسي بملابسي المتربة .


لا أدري إن كانت مخاوفي قد تحققت أم لا لأنني استغرقت بأفكاري حتى أنني لم أدرك أن صوت أقدامه قد توقف, لن أفتح عينيي لكنني أُدركُ الآن دون جهدٍ كبيرٍ أنني أضعته, لا فكرة لدي عن موقعه. أشعرُ بالقلقِ, أين هو؟, أخشى أن أتحرك من جديد كي لا يصدر أي صوت يشير إلى مكاني. ربما أتاني الحظ ولم يتمكن من سماعي المرة السابقة, لكن علي أن أعرف أين هو. .


ضربات القوائم الصغيرة تعود إلى الحجرة؛ إذن عاد القط الأحمق, بل وأصدر مواءً طويلًا كذلك. في هذه اللحظة لم أتمالك إلا أن أفتح عيني؛ لكنني في هذه اللحظة أيضًا لم أتمكن إلا من الصراخ. .


من الجهة الأخرى من الفراش -تحديدًا من الوجه المنحني ذي الأعين المذعورة- ندت صرخة أكبر من تلك التي أطلقتها أنا؛ ليندفع الرجل للجهةِ الأخرى مصطدمًا بالجدارِ وهو يشهق ممسكًا بصدره يترنح. حاول الاندفاع عبر الباب لكنه كان يسقط, يسقط بهبدة مكتومة إلى الأرض الخشبيَّة..


انتصبت شعيرات رأسي للحظات ثم ارتخت؛ لكنني لم أخرج

بل بقيت بمكاني دون حراك أحدقُ بالجسد الواهن الراقد أرضًا أمامي, الرجل كبير السن, على الأقل هذا يفسرُ حدوث نوبة القلب بتلك السرعة .

إذن هو سمعني بالمرةِ الأولى, رعبي يتزايد الآن.. حاولتُ الشعور بالشفقة لكن هو من اقتحم منزلي لمجرد أنه أحد الأحياء، هذا منزلي.. هذا منزلي أنا؛ حتى وإن كنتُ ميتًا فهذا يظلُ منزلي, حتى ولو كان جسدي قد احترق مع الشقة منذ شهورٍ, فهذا بيتي. لا أستطيع الذهاب.. ليس بوجود هذا الكم من الأحياء بالخارج .


لكن ربما علي تغيير مكان اختبائي قبل أن يأتي أحياءٌ آخرون بحثًا عنه.

سيأتي المزيد.. سيأتي آخرون .

ألم أُخبرك أنهم بكلِ مكانٍ؟