الآن افهم
Posted by Basy
On 7/23/2012
__* الآن أفهم *__
"هناك اشياء حين تذهب , لا يمكنك استعادتها , وهناك اشياء حين تأتي .. لن تتمكن من تجنبها ."
*******
*******
هبت
دفعه اخري من هواء ليل الشتاء البارد فوق الطريق المتلو اسفل اطار الشاحنة
, علي جانبي الطريق تململت اوراق الأشجار الغارقة في الظلمة و كأن هذه
النسمات الباردة قد ايقظتها من سبات طويل .
كان
الوقت متأخر .. متأخر للغاية , ما من سيارات عابره إلا هذه هنا , و هذه
هناك , تلك السيارة ذات السائق شبه النائم كذلك , ربما دراجه بخاريه تقطع
الصمت بين حين و أخر لكن لا شيء خلاف هذا .. لا شيء علي الاطلاق .
عليك
أن تفهم أن هذا الجو لم يكن مريح حتي لشخص مثلي قضي اغلب حياته بالطرقات ,
و عليك أن تلتمس لي العذر إن كانت يداي المعروقة ترتجفان فوق المقود بينما
اتململ بمقعدي ذو الرائحة الجلدية المثيرة للنعاس , لو كان الأمر بيدي لما
تركت منزلي الدافئ في ليله كهذه , لكن العمل هو العمل و انا لا خيار لدي
فعلاً .. احتاج للشيطان الورقي المسمى بالمال .
لم
تكن تلك هي المرة الاولي التي اسلك بها هذا الطريق أو اعمل بوقت متأخر من
الليل , لذلك حين بدأت الرجفة المعتادة تمر بذراعي لأشعر بالشعيرات السوداء
الباقية به تنتصب علي مهل حولت عيناي عن الطريق و قد علمت معني هذا
, بالفعل رأيت الأبنية الرمادية المتجاورة المميزة لمقابر القري الصغيرة
تمتد باليسار وقد غلفها الضوء الشاحب القادم من أحد اعمده الإنارة القليلة
المتواجدة .هنا و اسفل هذا التراب البارد ترقد مئات الأجساد دون حراك , دون
شعور .انقبض قلبي للحظات لهذه الخاطرة و انتزعت عيني عن المشهد بصعوبة .
لكن و ما أن عاودت النظر للطريق حتي ندت عني صرخة مريعة .
اعتصرت
قبضتي عجله القيادة و أعلن ازيز الإطارات اسفل مني تهديد رسمي بالانقلاب
.. لكنه لم يتحرك .لم يتنحى عن الطريق بل ظل هناك .. ينظر نحوي فقط ..
حاولت .. اقسم انني حاولت ..
لكن رغم هذا عجزت عن تفاديه .. و انتهي كل شيء بلمح البصر .
*****
لم امت .. ما زلت اتنفس
ادركت هذا بصعوبة حين فتحت عيناي , الرؤية غير واضحه بالمره لكنني استطيع تمييز الملامح الخارجيه للأشياء , استطيع تحريك اطرافي ايضاً , لَم يدق عنقي , اذن انا بخير
, رفاهيه الرقود في انتظار النجده و التلوي الماً ليست لمن هم مثلي , دعك
من انني لا اشعر بالألم من الاساس ..ما هو إلا غثيان مريع فقط , و هذا لا
يستأهل كثير من النواح .
كم غبت عن الوعي ؟ , لا ادري ,
حاولت استرجاع اللحظات القليله قبل الإصطدام فعجزت عن تذكر شئ واضح سوي
الاضواء تنحرف امام عيناي و حتي كينونه ما اصطدمت به لم اتمكن من تذكرها
رغم انها حمتني بطريقه او بأخري من الإنقلاب فالموت المحتوم .
ثم هناك هذا الرجل الغريب وسط الطريق .. الرجل الذي حولته الشاحنه - علي الأرجح - إلي خرقه بشريه باليه فوق الأسفلت البارد .
ارتجفت
بمكاني قليلاً , علي أن اخرج للتأكد مما حدث , لتقدير حجم الخسائر ,
الصوره المهتزه امام عيناي لم تساعد لذا اغمضتهما و انتظرت دقائق قبل
معاوده فتحهما , لكن المرئيات ظلت غير واضحه , حاولت تحريك يدي لتحسسهما
ظنا مني أن هذا سيساعد لكن الامور لم تختلف كثيراً ... هذا يعني أن الحادث لم يمر دون أضرار جسديه .
تحركت من جديد ببطء هذه المره اتحسس جسدي باحث عن أضرار اخري , هناك بلل بجانب قميصي لا ادري إن كان العرق ام هو دماء
,لكنني لا اشعر بالألم , هذا يجب أن يكون مؤشر جيد , نجت النافذه الاماميه
من التحطم , هذا يعفينا من شظايا الزجاج بالوجه , لكن رغم هذا تحسست وجهي
لأقابل ذات البلل البارد .
حين ايقنت انني مازلت قطعه واحده – بإستثناء عيني –
قررت التحرك , الرؤيه غير واضحه نعم لكن لا استطيع البقاء طوال الليل داخل
الشاحنه في انتظار المجهول , سأخرج لتقييم الضرر , قد يساعد الهواء البارد
بالخارج علي تصفيه الرؤيه علي أي حال ..
اطلق
مقبض الباب قرقعه خافته لينزلق مفتوح جواري , تحسست طريقي للهبوط و انا
اعب الهواء عباً حتي لمست قدماي الأرض , حينها شعرت بوقع القطرات البارده
فوق رأسي , تلقائياً رفعت وجهي للسماء
لقد بدأت تُمطر .
*********
*********
مقدمه
الشاحنه اصبحت في عداد الموتي , هذا ادركته حين اقتربت منها لتفحصها , من
حسن حظي فعلاً أن الزجاج لم يتهشم إثر ضربه كهذه لكن مما اري – او لا اري- , لا اظن قطعه الخرده تلك ستتحرك .. تحسست - ما داركت انه –
جذع الشجره التي إصطدمت بها , لم تنج هي الأخري , علي الرغم من ان الرؤيه
شبه منعدمه استطعت رؤيه جزء منها يرقد فوق مقدمه الشاحنه , هناك دماء و قطع
جلديه ملتصقه بالحاجز الحديدي للسياره , هناك ذراع بارزه من مكان ما, اثار هذا تقززي .
اطلقت
زفير ضائق , عليٌ البحث عن مساعده , عاجلا ام اجلا ستمر عربه او شخص راجل
من بين الحقول لنجدتي , هذا يحدث دائماً , لسنا بطرق اميريكا العامره
بالأشباح و الموتي السائرين .. نحن بمصر , و بمصر النجده تأتي , حتي و إن كانت تأتي متأخره لكنها تأتِ .
اراحتني هذه الفكره قليلاً فمضيت واجماً ابحث عن المصيبه الأخري كي ارتب بعقلي ما سأفعله إن رآه أي يكن من سيأتي لإنقاذي
كنت بمنتصف الطريق تقريباً حين سمعت صوت الأنين .
اصدر حذائي حفيف فوق الأرض الاسفلتيه حين وقفت فجأه , اصغيت السمع لكن الصوت توقف برهه , ثم عاد يدوي من جديد وسط الصمت , انين طويل معذب صاحب نقرات الامطار فوق الأرض .
ضاقت عيناي لإستيضاح الرؤيه أكثر وقد سرت بجسدي رعده مفاجئه
, الجسد كان يرقد بوسط الطريق علي بعد امتار قليله من مؤخره الشاحنه , قوه
الأمطار كانت ثابته لذا تمكنت من رؤيه حدوده الخارجيه , ظننت في البدايه
أنه مصدر هذا الأنين و كدت اهرع نحوه , لكن حين تكرر الصوت ادركت أنها لم
تكن استغاثه مُصاب .
رددت بعض الأدعيه بسري و انا اتراجع حتي التصقت بالشاحنه طلباً للحمايه , راودتني افكار متردده عن الهرب , يمكنني أن اركض لكن إلي اين سأصل ؟ , المشكله لا تكمن في انفاسي التي لن تسعفني , بل هي في عيني التي لن تساعد إلا في تحولي إلي جسد بالِ أخر , ليقف مسكين أخر - إصطدم بي بالصدفه -
بجانب الطريق باحث عن وسيله للنجاه , هذا بخلاف انني لا احبذ الموت قتيل
فوق الطريق , الاعمار بيد الله لكن ماذا لو لَم امت ؟ , ماذا لو دهستني
سياره مسرعه لأتلوي بألم لساعات بإنتظار الموت قبل أن الفظ انفاسي اخيراً .
لا .. سأبقي هنا , و ليكن ما يكون .
********
لكن الأنين لم يتوقف .. بل إزداد
.
تلفت حولي , اين السيارات الماره حين تحتاج واحده !! , إستمر المطر بالهطول , تحول جسدي إلي كتله من العرق المخلوط بالماء البارد و عجزت عن ايقاف نوبات الإرتجاف التي اجتاحتني .
تلفت حولي , اين السيارات الماره حين تحتاج واحده !! , إستمر المطر بالهطول , تحول جسدي إلي كتله من العرق المخلوط بالماء البارد و عجزت عن ايقاف نوبات الإرتجاف التي اجتاحتني .
هذا الصوت يمزق اعصابي .
حاولت
السيطره علي عصاره معدتي التي إرتفعت إلي حلقي فما كان إلا ان ازداد شعوري
بالدوار , تركز نظري علي القتيل الراقد بالقرب من الشاحنه , ربما كان هو
مصدر الصوت و كنت انا احمق كبير , لذا بين لحظه و التاليه قررت أن لا ضرر
سيأتي من شبه ميت يئن , تحاملت علي نفسي و جرجرت قدماي بإتجاهه , لو كان حي
سأساعده , لو كان ميت .. لن افكر بهذا الإحتمال الآن .
الصوت
يزداد ارتفاعاً , انا بالإتجاه الصحيح إذن , رفعت رأسي للسماء من جديد
لتتساقط قطرات المطر فوق عيني المصابه , ساهم هذا في شعوري بالراحه
فأغمضتهما لثوان , هذه المره حين عاودت النظر كانت الرؤيه اكثر وضوح , رغم
عني تقافز قلبي فرحاً , لم يكن الضرر دائم ..
اصابني
الدوار مره اخري فترنحت , توقفت لحظه سمعت فيها الحفيف الغريب الذي لم
استوضحه مسبقاً , قدرت ان الأشجار المتناثره هي مصدر الصوت لذا حاولت
تجاهله و اتجهت نحو الرجل .
انحنيت
فوق ركبتاي انظر إليه بشفقه ممزوجه بالألم , كان راقد فوق ظهره لذا تمكنت
من رؤيه ملامح وجهه المذعوره بشئ من الوضوح , الأنين عاودت الإرتفاع ..
لكنني ادركت الآن انه لم يكن مصدره , لم يشعرني هذا بالراحه بل بالرعب .مع استيضاح الرؤيه اكثر تمكنت من رؤيه العديد من التفاصيل الأخري .
هذا الرجل ميت , ميت جداً ,
ذراعاه انحنت كل منهما في وضع لا يمكن وصفه , بشرته كقطعه الطبشور , لو
كنت طبيب لقلت انه نزف حتي الموت , هذا طبيعي حين يصطدم بشاحنه , الغير
طبيعي هو أن تكون بركه الدماء الداكنه حوله بهذا الصغر , هناك تشوه مريع
بجسده , , لكن علي الرغم من هذا تمكنت من رؤيه هذا الثقب الغائر بساقه ,
الثقب الذي تمكنت من رؤيه عظامه عبره , الثقب الذي من المستحيل أن تسببه
شاحنه .. انا صدمته بلي , لكنني لم اكن من قتله .. او لأكن اكثر دقه , لم اكن من بدأ بقتله .
لذا حين عاود الأنين الإرتفاع هذه المره .. استدرت انظر خلفي بهلع .
*****
شعرت
باللهاث الحار الذي يلفح وجهي , رأيت الأعين المجنونه تنبض بالحمره ثم
شعرت بالنصل الحاد يعانق جسدي .. و قبل أن احصل علي الوقت الكافي لإبداء رد
فعل حتي كنت اتوسد الارض جوار الجسد الذي دهسته منذ .. منذ متي ؟ , اعجز عن التذكر .
عجزت
عن تبين مدي إصابتي لكنني ادركت انها ليست طفيفه , لم ار البلل البارد
الذي لامس يدي جوار جسدي لكنني علمت ماهيته هذه المره , التقت عيناي بعيناه
مره واحده ثم استدار و مضي , الرؤيه الآن كأوضح ما يكون , لكنها لن تظل
كذلك كثيراً .
هارب .. و مُلاحِق
كانا إثنان .. صدمت إثنان و ليس واحد .. علي الأقل هذا يفسر الأنين , هذا يتيح لي الفهم .
راقبت معطفه الجلدي الأسود بينما يمضي وسط الأمطار المتتابعه , الآن افهم .. أو ربما .. لحظه واحده !! ....
كانا
إثنان .. هكذا استطعت تفسير الثقب بساق ضحيه الحادث , شحوبه الشديد ايضا
كان قابل للتفسير بهذه الطريقه , مصدر الأنين كذلك اصبح واضح , القطع
الجلديه و الدماء بمقدمه الشاحنه ..
لكن ماذا عن الذراع امام الشاحنه ؟؟ ...
تذكرت مشهد الجسد المجاور لي , "ذراعاه انحنت كل منهما في وضع لا يمكن وصفه" لكنهما كانتا هناك , الذراع امام الشاحنه للرجل الاخر !! , كيف نجي من اصطدام كهذا !! .
اتسعت عيناي في نظره اخيره للرجل الذي بدأ يغيب عن نظري
اسئله كثيره دارت بعقلي لكن فات االاوان ..
لا مجال للفهم الآن ...
____________________
__ تمت __
____________________
__ تمت __


