" يا فتاح يا عليم .. يا رزاق يا كريم "
هكذا كانت صيحتي الإعتراضيه أول النهار قبل أن اجد من يسحبني كمن يسحب جوال من الأرز إلي مكتب المدير .
مازالت الساعه التاسعه صباحاً , هنا و هناك تجد الإخوه الزملاء بالإستوديو بعضهم يفرك عينه ليزيل النعاس عنها , و البعض الأخر يختلس " حبه نوم " علي مكتبه قبل أن يأتي المدير ليخرب بيته .
عم عبده الرجل الأسطوره - الذي لا يعلم أحد ما وظيفته بالأستوديو بالضبط – يمر جواري ليقول بصوته العميق 
     " صباح الخير يا مصطفي . "

كدت أن أرد لكن السيد الفاضل الذي كان يجرني جراً القي بي أمام باب المكتب  :
" المدير عايزك "

قالها بقرف ارستقراطي جدير بالأباطره , فقلت و انا احاول التعديل من مظهري :
" ليه ؟ "

تجدعت ملامحه بضيق و لم يجبني بل سار مبتعداً , بالتأكيد لينغص علي أحد اخر حياته .. زفرت بإستسلام و رسمت ابتسامه متكلفه علي وجهي و طرقت الباب بهدوء لأدلف الي الداخل .

علي المكتب الأسطوري جلس السيد المحترم / ناصف السيد . مدير المحطه ,  بشاربه المشعث و نظرته الثاقبه و امامه يجلس الاستاذ / هادي عبد السلام . رئيسي المبجل ينظر لي في غل و كأنني قتلت زوج خالته .

" تعال يا مصطفي .. "
قالها المدير فتحركت مغلوباً علي أمري لأجلس أمام الاستاذ هادي و انا اقرأ الشهادتين في سري .

تسألون لماذا هذا الرعب ؟ , ربما لأن السيد ناصف لا يطلبنا إلا ليزيل احدنا من الوجود .. ذات مره أرسل في طلب زميل لي و لم أره من يومها , هناك اسطوره تقول أنه القاه من النافذه المفتوحه جواره .. بالطبع أري انها أسطوره مبالغ بها بعض الشئ , لكن لدي كم مخزون من مشاهد الرعب بالأفلام الأجنبيه و كم هائل من الأفكار السوداء و التي يتضمن أفضلها قضم حنجرتي .

المهم انني بدأت اتصبب عرقا منتظراً نهايتي عندما قطع علي أ / ناصف افكاري قائلا بهدوء :
" بص يا مصطفي , إحنا عندنا ليك مهمه . "

" هاه ؟ "
قلتها ببلاهه تامه

" مهمه يا بني أدم .. مهمه .. بص يابني , الأستاذ هادي اشتكالي منك و قدامك فرصه اخيره تعوض اللي عملته ده "
نظرت لهادي في ذعر و لسان حالي يقول " انا عملت ايه بس يا جدعان !! " , لكن و علي ثغره المح إبتسامه متشفيه فتمالكت أعصابي و انا اقول :
     " اللي حضرتك عاوزه .. أؤمرني "

إبتسم أ / ناصف و هو يعقد يداه معاً و بدأ بالحديث :
" بص بقي يا مصطفي .. احنا عاملين برنامج جديد بيتكلم عن مشاكل الشباب و حياتهم , بس إحنا للأسف ملقيناش أي حد نستضيفه في البرنامج , فأنا قلت للاستاذ هادي انه كمخرج هيتولي موضوع البرنامج ده بس محتاجين مذيع كويس يستضيف الشباب .. ايه رأيك يا مصطفي ؟ "

بالطبع السؤال الأخير لم يكن يطلب رأيي بل كان تهديد بشكل مهذب لذا قلت :
    " اللي تشوفه حضرتك "

إبتسم المدير قائلا :
" كويس أوي .. حيث كده بقي مهمتك هتكون إنك تلاقي مجموعه من الشباب و تعمل معاهم فيلم وثائقي , و قدامك أسبوعين تكون مخلص البرنامج "

" اسبوعين !!! "
قلتها بذعر و انا انظر نحوه متابعاً :
" بس يا فندم .... "

" إسبوعين يا مصطفي "
قالها بلهجه ختاميه , نظرت لهادي لأجده يبتسم إبتسامه جانبيه صفراء , فنهضت لأخرج من المكتب دون أن أنظر خلفي و انا اختبر شعور من قفز من مترو الأنفاق , لم أنظر حولي إلي أن وصلت – ولا اعلم كيف – إلي مكتبي المتواضع .

القيت بنفسي فوق الكرسي الجلدي و انا انظر للاشئ تقريباً , لقد انتهت حياتي .. انتهي عملي , إستحضر صوره أمي أمامي و انا اخبرها بالخبر السعيد , أري ملامح وجهها و هي تقول " جتك خيبه .. هتفضل طول عمرك فاشل " . لِم كانت الحياه قاسيه بهذا الشكل ؟؟ .
" صباح الخير يا درش .. "

جائني الصوت المبتهج من جوار الباب فحركت رأسي ببطء لأنظر نحو القادم , إسلام !! .
زميلي المتدرب الجديد , الصغير , عديم الخبره .. ال ... ال .....
وببطء إتسعت إبتسامتي شئ فشئ .

إبتسم إسلام من جديد و علي وجهه تبدو براءه جديره بالإستغلال :
" إزيك يا مصطفي .. انا قلت اعدي لتكون محتاج حاجه ... ايه يابني مالك , إيه ده في ايه بتبصلي كده ليه ؟ , انت عيان يا مصطفي ؟ , مصطفي !!! . "

***************

في خلال الثلاث أيام التاليه رأيت – ومعي إسلام بالطبع – أسود أيام حياتنا بلا مبالغه
ملايين من الأوراق تكدست لتكون ملفات , ملايين من الملفات تتعالي لتكون جبال من المعلومات
أكواب من الشاي و علب من الفول – لأننا لا نملك ترف طلب الطعام الجاهز – تكومت بكل مكان
هالات سوداء تكاثفت اسفل عيني بينما أصبح إسلام بائساً منكوش الشعر كمن خرج من أتوبيس مزدحم لتوه .
" 80 مليون مصري و مش لاقيين خمسه سته نعمل معاهم البرنامج !! "
قلتها و انا تقريباً أوشك علي الانفجار .

" ................ "


" إسلام , انت لسه عايش ولا ايه ؟ "


" ....................... "


" إسلام !! . "
نهضت مسرعا فقط لأنزلق فوق كومه من الأوراق مباشره فوق بقايا الفول , عدت انهض مطلقاً سباب مبهم لأتجه نحو الشاب الجالس القرفصاء ممسك بورقه مجعده يحدق نحوها و علي فمه ابتسامه مريعه , حتي شككت أنه قد وجد سر صنع القنبله النوويه الجديده .

" مالك يا اسلام ؟ " . قلتها بشك .

رفع عيناه ببطء نحوي و هو مازال مبتسماً : " وجدتها " .

" هي مين . ؟ " قلتها ببلاهه .
سلمني الورقه لأفردها بين يداي و أبدأ القراءه , فقط لتتسع إبتسامتي شئ فشئ .....

0 التعليقات:

إرسال تعليق